ابن بطوطة
256
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
ذكر كلامي للسلطان بعد ذلك وإحسانه إلي وأقمت بعد بعث هذه الضيافة شهرين لم يصل إليّ فيهما شيء من قبل السلطان ، ودخل شهر رمضان « 68 » ، وكنت خلال ذلك أتردد إلى المشور وأسلم عليه وأقعد مع القاضي والخطيب ، فتكلمت مع دوغا الترجمان ، فقال : تكلم عنده وأنا أعبّر عنك بما يجب ، فجلس في أوائل رمضان ، وقمت بين يديه وقلت له : إني سافرت بلاد الدنيا ولقيت ملوكها ولي ببلادك منذ أربعة أشهر ولم تضفني ولا أعطيتني شيئا ! فماذا أقول عنك عند السلاطين ؟ ! فقال : إني لم أرك ولا علمت بك ، فقام القاضي وابن الفقيه فردّا عليه وقالا : إنه قد سلّم عليك وبعثت إليه الطعام ! فأمر لي عند ذلك بدار أنزل بها ونفقة تجرى عليّ ، ثم فرق على القاضي والخطيب والفقهاء مالا ليلة سبعة وعشرين من رمضان يسمونه الزكاة « 69 » ، وأعطاني معهم ثلاثة وثلاثين مثقالا وثلثا وأحسن إليّ عند سفري بمائة مثقال ذهبا . ذكر جلوسه بقبّته وله قبّة مرتفعة ، بابها بداخل داره يقعد فيها أكثر الأوقات « 70 » ، ولها من جهة المشور طيقان ثلاثة من الخشب مغشاة بصفائح الفضة ، وتحتها ثلاثة مغشاة بصفائح الذهب ، أو هي فضة مذهبة ، وعليها ستور ملف ، فإذا كان يوم جلوسه بالقبة رفعت الستور ، فعلم أنه يجلس ، فإذا جلس أخرج من شباك إحدى الطاقات شرّابة حرير قد ربط فيها منديل مصري مرقوم ، فإذا رأى الناس المنديل ضربت الأطبال والأبواق ، ثم يخرج من باب القصر نحو ثلاثمائة من العبيد في أيدي بعضهم القسّي ، وفي أيدي بعضهم الرماح الصغار والدّرق ، فيقف أصحاب الرّماح منهم ميمنة وميسرة ، ويجلس أصحاب القسّي كذلك ، ثم يوتي بفرسين مسرجين ملجمين ومعهما كبشان يذكرون أنهما ينفعان من العين ! وعند جلوسه يخرج ثلاثة من عبيده مسرعين فيدعون نائبه قنجا موسى ، وتأتي الفرارية « 71 » ، بفتح الفاء ، وهم الامراء ويأتي الخطيب والفقهاء فيقعدون أمام السّلحدارية يمنة ويسرة في المشور ويقف دوغا الترجمان على باب المشور وعليه الثياب الفاخرة من
--> ( 68 ) ابتداء من ll أكتوبر 1352 . ( 69 ) الزكاة يعني بها هنا في ليلة القدر مطلق العطاء . . . ( 70 ) قبة الاستقبال بنيت من قبل أبي إسحاق إبراهيم الساحلي الغرناطي المعروف بالطّويجن " . . . قبة مربعة الشكل استفرغ فيها إجادته ، وكان صناع اليدين وأضفى عليها من الكلس ووالى عليها بالاصباغ المشبعة فجاءت من أتقن المباني ، ووقعت من السلطان منسى موسى موقع الاستغراب لفقدان صنعة البناء بأرضهم . . . انظر تعليق 92 - د . التازي : التاريخ الدپلوماسي للمغرب ج 7 ص 40 تعليق 2 . ( 71 ) الفرارية ج فاري بلغة الماندينك تعني الرئيس العسكري .